الصفحة الرئيسية

سجل الزوار

صفحة المقالات

اضفنا للمفضلة

اتصل بنا

   

 

قصة الإنتخابات

ـ 2 ـ

فراس طارق مكية

كان المشهد السياسي عشية 9/4/2003 خالياً تماماً من أي قوة حقيقية في الشارع العراقي فنظام صدام حسين القمعي الذي تسلّط طيلة ثلاثة عقود ونصف كان قد تمكن من إسكات صوت مناوئيه منذ أمدٍ بعيد بحيث لم يعد لهم أي نفوذ يذكر، وحتى المعارضة التي نشأت في الخارج لم تسلم من يده فكانت أصواتها مبحوحة جداً، وهكذا سقط نظام صدام حسين على خواء من السلطة والجماهير معاً. إحدى هذه القوى التي تمكن نظام البعث من إسكاتها كانت المرجعية الشيعية التي خنقها في 9/4/1980 بإعدام أحد رموزها البارزة سيد محمد باقر الصدر مما اضطر المرجعية الدينية إلى الإنكفاء على نفسها للحفاظ على البقية الباقية منها، ثم اضطرت بعدها إلى المبالغة في الإنزواء بعد أن قضى النظام على هذه البقية عند قمعه لانتفاضة الشيعة عام 1991.

كان واضحاً والحال هذه أن المرجعية الشيعية تحتاج إلى عدة سنين لتتمكن من بناء نفسها مرة أخرى قبل أن تدخل الساحة مرة ثانية، وخلال هذه السنين يكون المشروع السياسي الذي هيّأه الصقور قد اكتمل بمنأىً عنها وعن أي قوة أخرى وتكون الدولة العراقية "الحليفة" قد اكتمل تأسيسها بعيداً عن أي تدخل أو "إزعاج" من أيٍّ كان.

في صبيحة يوم 26/6/2003 آية الله العظمى سيد علي السيستاني أبرز مراجع النجف الكبار يقلب الموازين ويزلزل الموقف بالكامل ويصدر فتوى الدستور، بقية مراجع النجف يتخذون موقفاً موحداً لدعم آية الله السيستاني ويغامرون بكل وجودهم في أهم معركة مصيرية، لقد استوعبوا درس عام 1920 جيداً كما يبدو. لقد اقتحم آية الله السيستاني المشهد الفارغ بكل قوة وأبرز مشروعاً متيناً ومتماسكاً للغاية لا يمكن الإلتفاف عليه طالب فيه بانتخابات تأسيسية للجمعية الدستورية لضمان أكبر قدر من التمثيل الشعبي ثم تجري المصادقة عليه باستفتاءٍ عام إيغالاً بتوفير هذه الضمانات، ولم يكتفِ باستفتاء المصادقة مثلاً، وهو الأسلوب الديمقراطي الأبرز لعيوب الديمقراطية الشعبية بإمكانية الإلتفاف على الرأي العام من خلالها، وكان واضحاً أن هذا المشروع هو مشروع حقيقي لبناء العراق وليس مجرد تماشي ساذج مع نغمة الديمقراطية التي بدأت ترن حديثاً في الأجواء.

بدأ البنتاغون مرتبكاً بشدّة أمام هذا المشروع السياسي الدقيق ويظهر أنه لم يستفق من هذه الصدمة إلى فترة متأخرة وعجز وبشكلٍ فاضح عن طرح أيّ مشروعٍ بديل أو مواجهة مشروع المرجعية الدينية الذي بدأ يتعاظم نفوذها تدريجياً وبصورة لوغارتمية على حساب القادة السياسيين، العلمانيين عموماً، وعلى حساب الإدارة الأمريكية في العراق وهو آخر ما يحلم به البيت الأبيض وأسوأ الاحتمالات التي كان من الممكن أن يواجهها من ظهور سلطة دينية أو نفوذ متعاظم لرجال الدين. مقابل هذا الصمت المطبق الذي التزمت به الإدارة الأمريكية تعبيراً عن فشلها في القيام بأي مناورة سياسية، بدأ آية الله السيستاني بحملة مكثفة جداً لخلق وعي شعبي بأهمية الدستور وانبثاقه عن جمعية تأسيسية منتخبة وتجاوب الشارع المغيَّب والمتعطش سياسياً بصورة مذهلة استغلت فيه المرجعية الدينية كل نفوذها في المجتمع المحافظ أصلاًَ وذي التوجه الإسلامي أساساً ليدعمها بقوة حقيقية لا يمكن مقاومتها أو تجاوزها.

لم تشأ الإدارة الأمريكية الاصطدام مبكراً مع المرجعية الدينية وبصورة مباشرة لأنها لا زالت متخوفة من نفوذها ولا تعلم إلى أي مدى يمكنها تحريك الشارع فاختارت اللعب من خلال واجهة مجلس الحكم الذي شكّلته حديثاً في 13/7/2003 لتكون المواجهة عراقية بحتة ومع السياسيين العراقيين وليختفِ بريمر ومن ورائه واشنطن خلف الستار.

في نهاية تموز 2003 طرح السيد جلال الطالباني بصورة سرية داخل مجلس الحكم مشروعاً لصياغة الدستور عن طريق تعيين أعضاء اللجنة الدستورية التي ستُكلّف بكتابته في محاولة لجس نبض باقي القوى السياسية وخاصة الشيعية بإمكانية مخالفة فتوى الدستور وضربها بعرض الحائط. وجاء الرد خجولاً ولكنه ذو مغزى عميق، صوّت 13 عضواً من أصل 25 ضد المشروع في أول إختبار لموازنة القوى العلمانية أمام النفوذ الديني مما اضطر "مام جلال" للسفر إلى النجف في 2/8/2003 للإعتذار من المراجع الشيعية ولمسح موقفه كيلا يكون كبش الفداء لبريمر.

زعزع الموقف من فتوى الدستور التشكيلة الهشّة لمجلس الحكم وسرعان ما بدأ يتفكك إلى مكوناته الرئيسية التي تشكّل على أساسها الشيعة والسنة والأكراد. الشيعة الأغلبية المضطهدة في جميع أنظمة الحكم التي توالت على العراق والآن هم الفرس الرابح في أي رهان ديمقراطي ويبدو أنهم انفلتوا  من عقال القمع الذي خنقهم بشدّة وتوحدوا على التخلص من أي نظام يمكن أن يضطهدهم بيد أنهم لا زالوا مشتّتين لانعدام الخبرة والتجربة وعدم بروز القيادة الكاريزمية لديهم. السنة المتّهمون باستئثار السلطة طيلة القرن الماضي والتواطؤ إن لم يكن التعاون مع الأنظمة القمعية السابقة هم الخاسر الأكبر في هذا التقسيم الذي يبدون فيه كأي أقلية من الأقليات. الأكراد ذاقوا طعم الدولة المستقلة طيلة العقد الماضي وهم غير مستعدين الآن مطلقاً للتنازل عنها تحت أي ذريعة كانت ولو باسم الديمقراطية التي باتوا يخشون ضياع السلطة على يديها وبدأوا يتكلمون عن التوافق - وهو صيغة مهذبة من المحاصصة- بدلاً عنها.

وهكذا استقر الحال على المماطلة بشأن قضية الدستور التي فجّرها فجأة آية الله السيستاني وتأجيل البت فيها، وتمّ الاتفاق على تشكيل اللجنة التحضيرية الدستورية في 11/8/2003 كلجنة إستشارية لدراسة أفضل السبل لتشكيل لجنة دستورية بعدها لكتابة الدستور. جاء تشكيل اللجنة التحضيرية لامتصاص الاحتقان الذي تولّد داخل الأطياف السياسية في مجلس الحكم ولتأجيل النزاع الذي أدرك الجميع أنه سينشب عاجلاً أو آجلاً بشأن الدستور وليُهدّئ من صوت الصراع السياسي عبر أصوات لجنة فنية أولاً وسياسية ثانياً. بدأت اللجنة التحضيرية بدراسة أوضاع الشارع والنخبة معاً والتقت مع الشخصيات والأفراد والأحزاب والنقابات وسافرت إلى معظم المحافظات غير أنها اضطرت إلى قطع برنامجها بعد إغتيال آية الله سيد محمد باقر الحكيم في 29/8/2003 حيث قام الأكراد أيضاً بالضجيج داخل مجلس الحكم بعدم جدوى مناقشة موضوعة الدستور لإستحالة إجراء إحصاء سكاني وقيام انتخابات حرة في ظل هكذا أوضاع أمنية مضطربة ودخلت اللعبة السياسية مضيقاً حاداً مرة أخرى اضطرت معه اللجنة التحضيرية برئاسة الكردي المخضرم د.فؤاد معصوم إلى زيارة السيد السيستاني في 11/9/2003 لحل الأزمة. في 15/9/2003 اتخذت اللجنة التحضيرية قرارها بالإجماع بتفضيل إجراء إحصاء سكاني عام تمهيداً لإجراء انتخابات شاملة للجنة الدستورية تماماً كما فصّلته فتوى الدستور، ورفعت توصياتها التي شملت أيضاً خيار الإنتخابات الجزئية وخيار الدستور المؤقت مع تفضيل الخيار الأول "الانتخابات العامة" إلى مجلس الحكم في 24/9/2003 وسط حملة سياسية وإعلامية متزايدة العنف من قبل الأكراد ضد "الخيار الديمقراطي" الذي "سيظلم" الأقلية. وهكذا عاد مجلس الحكم إلى نفس النقطة التي بدأ منها لكن مع تسجيل نقطة إضافية لآية الله السيستاني وبدا أنه (أي مجلس الحكم) يدور حول نفسه في حلقة مفرغة لا يستطيع الخروج منها وكان لا بد من حل ولكنه لن يأتي من مجلس الحكم هذه المرة بل ولا حتى من بغداد، سيأتي الحل بقرارٍ من واشنطن ولكنه لن يكون حلاً بل مشكلة أخرى...

وللحديث بقية

23/1/2005

12ذي الحجة1425