|
قصة الإنتخابات
ـ 1 ـ
فراس طارق مكية
كان العراق الحلقة الأضعف
في سلسلة الأنظمة العربية المتهرأة التي اخنارها صقور اليمين في واشنطن
لـ"رسم خارطة سياسية" جديدة لمنطقة الشرق الأوسط, فكان تغيير نظام صدام
حسين النقطة التي باشروها ليكون العراق "نموذجاً للديمقراطية" وسط
الأنظمة العربية التي تعفنت بالدكتاتورية واضطهاد الحريات. ولم تكن
الولايات المتحدة في هذا رسولاً سماوياً لنشر هذه الرسالة الإصلاحية
النبيلة, غير أن مصالحها القومية في المنطقة الأكثر حيوية بالنسبة لها
باتت مهددة بالخطر بعد انتهاء مسرحية القومية العربية وقرن التحرر
العربي وثورات التحرير من الإستعمار, الحلم الذي خدّر الشعوب العربية
طويلاً ولكنها - أو بعضها – بدأ يستفيق منه على كابوس الواقع الكارثة.
وهكذا كان المشروع الأمريكي البديل هو حكومات ديمقراطية "متعاونة" تخدم
المصالح الأمريكية مقابل منح الحريات وتطوير المنطقة التي نامت قرناً
من الزمان عبر الإنفتاح والتعاون مع الولايات المتحدة كدولة حليفة كما
في نموذج كوريا الجنوبية مثلاً أو حتى إسرائيل, أي تغيير الأنظمة
الحاكمة من حكومات "حليفة" –حسب التعبير الحديث أو "عميلة" حسب التعبير
الدارج- قائمة على أساس مكافحة الإستعمار إلى حكومات حليفة قائمة على
أساس الديمقراطية. أبتدأت هذه "الديمقراطية المتعاونة" مشروعها وبكل
وقاحة بحاكم عسكري فكانت نغمة غاية في النشاز اضطروا إلى توليفها بحاكم
مدني ثم بمجلس إستشاري ثم بمجلسٍ للحكم يأن من فيتو الحاكم المدني
ويختاره هو بنفسه ليضمن عدم خروجه عن الخط.
كان كل شئ يسير بهدوء وفي
غاية الروعة فالشعب العراقي لا يزال ربيب القمع والتغييب وهو منشغل
أساساً بجراحه العميقة جداً والساسة العراقيون لا يزالون يعانون من
الضعف والتشرذم الذي فرضته عليهم مواجهة أعتى الأنظمة دكتاتوريةً, ولكن
صوتاً هادئاً لا يكاد يسمع من أثر الشيخوخة ومن فرط ما تلقاه من تعذيب
في زنزانات صدام عام 1991 انطلق من بيت طيني, في حارة عتيقة, في واحدة
من أكثر مدن العراق التي تعرضت لإضطهاد وحقد صدام حسين, صدر على قصاصة
من الورق, مكتوبة بخط اليد, يدعو فيها إلى إنتخابات عامة لمجلسٍ تأسيسي
يسنّ دستوراً حقيقياً ممثلاً للشعب ومصالحه يجري التصويت عليه
لمصادقته.
كانت المفاجأة مربكةً
جداً, فالورقة لابد وأنها أخطأت العنوان, فلغتها نابعة من قلب العالم
الديمقراطي الذي يبعد عن العراق "قروناً وأميالا" أما أنها تصدر من بلد
عربي ومن رجل دين فهذا ما لم يكن في حساب خارطة الشرق الاوسط الجديدة.
وهكذا بدأت قصة جديدة
تختلف تماماً عن تلك التي رسمها صقور البنتاغون وإذا بهم يفاجأون في
وقت مبكر جداً بديمقراطية حقيقية تقضي على الديمقراطية المتعاونة وهي
في مهدها, وإذا بهم يفاجأون بأن العراق ليس أفغانستان تماماً كما
تفاجأت بريطانيا قبل قرن من الزمان بأن العراق ليس الهند, وهنا بدأت
قصة الإنتخابات...
وللحديث بقية
|