الدستور بوابة الخلاص

د.حسن أل ياسين

 جدير بنا جميعاً أن ندرك مغزى التركيز على قضية الدستور على ساحة الأحداث في الوقت الحاضر ، حيث يعتقد الأعم الأغلب من الناس أن هذا المصطلح (الدستور) مجرد عنوان لموضوع تخصصي ولذلك هو لا يثير سوى اهتمام فئة محدودة من الناس معنية بالشأن القانوني .

والحقيقة أن هذا وهم كبير وعريض والاهم من هذا أنه وهم خطير جداً لأنه يفتح المجال للتهاون والتسويف في قضية مصيرية كبرى تتعلق بمصير كل من ينتمي الى هذا الوطن ،الدستور عموماً يعرف بأنه مجموعة الأسس والقواعد التي تنظم قوانين الحياة في مجتمع ما ،أي أنه المنبع الثقافي والحضاري لمجموعة الضوابط والمسارات للحياة في المجتمع ،ولذلك هو يمثل هوية المجتمع على مستوى النظرية ،وميدان حركته العملية على مستوى التطبيق ،وهنا تكمن أهمية موضوع الدستور بالنسبة لأي مجتمع إنساني ،على أن الحالة العراقية لها حالة خاصة

فأولاً :-الوضع السياسي للمجتمع العراقي يتأرجح مابين الاختطاف والاحتلال ،فلقد فلقد شهدت العقود الماضية حالة اختطاف شاملة للحياة من قبل مجموعة من لصوص الزمن وقطاع طريق التاريخ ،حالة فرضت ما يسمى بحكومات الأمر الواقع وهذه الحكومات تفتقر الى الحد الأدنى من الشرعية والإطار القانوني وانتقال الحال بالوضع السياسي الآن الى حالة الهيمنة الكاملة من قبل قوات احتلال غربية وأجنبية قطعت عشرات الألوف من الأميال للوصول الى هنا ولا شرعية لأجنبي أو غريب لذا فإن وضع دستور من قبل مجلس تأسيسي منتخب يمثل فرصة تاريخية فريدة لإرساء قواعد دولة قانونية شرعية جديدة بعيدة عن شبح الاختطاف وهيمنة الاحتلال ،فرصة لم يشهدها الواقع السياسي للبلاد خلال العقود المأساوية السابقة ،وإذا لم يفرض الشعب كلمته وإرادته فيها فقد لا تسنح فرصة مثلها لاحقاً ونعود القهقري الى حلقات الظلام والسوداوية .

ثانياً :- نحن الآن نعيش واقع الاحتلال ولكن هذا الواقع لا يمكن أن يدوم الى الأبد وستأتي مرحلة تاريخية حيث ليس ثمة وجود لقوات وهيمنة الاحتلال على أرضنا فإذا ما تم وضع الدستور أثناء وجود الاحتلال من قبل لجان معينة فإن أصواتاً كثيرة ستعلو بعد جلاء الاحتلال للطعن في شرعية الدستور وبالتالي الطعن في شرعية أي كيان سياسي أسس عليه بالدعوة الى هذا الدستور (وما تمخض عنه )منبثق عن حالة الاحتلال غير الشرعية ومن الممكن أن تكون مثل وجهات النظر هذه مدخلاً للعودة بالبلاد الى مرحلة الفوضى والتخبط السياسي والاجتماعي .إن وضع الدستور من قبل مجلس تأسيسي منتخب يوصد الباب وبإحكام أمام أي محاولة لخلط الاوراق ،سواء الآن أو ما بعد جلاء الاحتلال إن شاء الله .حيث لن يجد المرجفون والمشككون ((الفضائيون )) و((الدولاريون )) لن يجد هؤلاء ومعهم كل من لا يريد أن يرى هذا الوطن وطناً لأبنائه لن يجدوا حجة أو مدخلاً للطعن في الواقع السياسي القائم فهذا الدستور هو اختيار الشعب وهو من الشعب الى الشعب وليس ثمة شرعية أقوى كياناً أو أمتن أساساً من هكذا سياق بل أن قدرة الشعب على وضع الدستور من خلال مجلس من خلال مجلس تأسيس منتخب في ظل احتلال أجنبي يضفي شرعية استثنائية أخرى تعطي للشرعية الاولية توهجاً مثيراً وبعبارة أخرى نقول إن أي دستور موضوع من قبل لجنة منتخبة في مجتمع يعيش حالة الاسترخاء السياسي والحرية دستور شرعي ولا شك فما بالك إذا وضع هذا الدستور بإرادة شعبية في ظل أجواء احتلال معاكسة للتوجهات الشعبية العامة إن هكذا حالة ترسخ شرعية الدستور وتمنحها ثقلاً إضافياً على المستوى المعنوي والواقعي .

ثالثاً:-إن وضع الدستور من قبل مجلس تأسيسي منتخب وما يترتب على ذلك من سياقات كيان سياسي للبلد ،يمثل الحل الامثل وقد يكون الحل الوحيد للخروج بالوطن من حالة التخبط السياسي والاجتماعي التي يمر بها مجتمعنا اليوم والتي لا تصب في مصلحة أي طرف من الاطراف حتى تلك الفاعلة في مثل هذه الحالة .

الواقع السياسي والاجتماعي يمر الآن بعدة أزمات كبرى ..الازمة الكبرى التي تشكل الارضية الخلفية العريضة للواقع المريض هي أزمة الثقة العميقة التي تعصف بافراد وفئات المجتمع ولا داعي للإسراف في التفاؤل وممارسة دور النعامة للتغاضي عن هذه الحقيقة المرة التي يعيشها العراقيون بين بعضهم البعض ومأزق الثقة هذا يمثل عقبة كأداء في طريق الاستقرار والتطور الاجتماعي ،حل هذا المأزق من الممكن أن يكون أحد أثنين:

الحل الاول :-محاولة اقتلاع جذور أزمة عدم الثقة من البناء الذهني والنفسي للفرد والجماعة العراقية وزرع بذور الثقة الحقيقية في أعماق الوجدان الاجتماعي وهذا الحل وإن كان الامثل والافضل إلا أنه الاصعب في الوقت ذاته ؟ ،ويتطلب برنامجاً اجتماعياً متكاملاً وشاملاً لإعادة التأهيل النفسي للمجتمع العراقي لتجاوز جراحات المرحلة السابقة وبناء ثقافة اجتماعية جديدة قائمة على الثقة المتبادلة واحترام وجود الآخرين وتنمية الشعور بالتكامل لا التقاطع والضدية ،إن مثل هذا التصور وإن كان حلماً في كثير من جوانبه إلا إنه ليس مستحيلاً ولكنه يتطلب وقتاً طويلاً جداً يجب أن تجند فيه كافة الطاقات والفاعلات الاجتماعية والدينية والعلمية بإخلاص لتحقيق هذا الهدف على المدى الطويل ..ولا يخفى أن المرحلة التاريخية الحالية لا تسمح بمثل هذا هكذا استرخاء في الانجاز الاجتماعي نظراً لحساسية الظرف وصعوبته وضرورة إيجاد صيغ حل سريعة ومضمونة .

الحل الثاني:-اللجوء الى صندوق الاقتراع ليكون الحكم الفصل في هذا المخاض العظيم ،والانتخابات العامة هي الصيغة التوفيقية الخارجية بين فئات المجتمع المختلفة على اختلاف توجهاتها ومشاريعها وهي الصيغة التي تضمن التمثيل للجميع دون استثناء يضمن للجميع حقوقهم ووجودهم وتحديد مسألة سوء الظن وأزمة الثقة ومن الممكن أن يتحقق ذلك في مسألة انتخاب المجلس التأسيسي لوضع الدستور أو انتخاب المجلس التشريعي الانتقالي أو الانتخابات العامة .

إن التجارب السابقة التي مرت على المجتمع العراقي تثبت لكل ذي عقل إن فكرة إلغاء الطرف الآخر فمرة غير ممكنة عملياً (مع تجاوز الامكان الاخلاقي لها ) على الرغم من تبني أقصى درجات البطش والفتك والمحق ،فإذا كان الالغاء أسلوباً فاشلاً عملياً من الناحية التاريخية فضلاً عن إفلاسه الاخلاقي ابتداء فلنجرب اسلوباً حضارياً آخر هة صندوق الاقتراع عسى أن يكون السبيل الأمن لحياة آمنة ومستقرة .